التدين والتنقيب عن القلوب

التديُّن عاطفة، وغَيْرة على الحرمات، لكن لا يجوز:
1/توقع صادرات الناس، للحكم عليها، فتصميمه ذهنيا قبل المُتَوَقَّعِ سيختلف عن الحدوث، ولو في جزئيات، لاختلال الفرضيات.
توقعها سوء ظن، يرتبط بالتجسس، مُنِعَ لصيانة الأعراض، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)الحجرات/12.
إنه ليس تَدَيُّنًا، فأنظمة كثيرة تبني احتياطاتها تحسسا للمعارضة.
2/التنقيب عن سرائر القلوب صدقا أوكذبا، إخلاصا أونفاقا، والحكم عليها دينًا أوقضاءً، لتأويلٍ شهوانِيٌّ، خاصَّةً بسبب سلوكات أوأقوال محتمَلة، أومعاصٍ بشهوات، لا تمردات، ولعَنُ مُرتكِبيها، تجَنٍ على مُسْتَأثَرات الله لنفسه.
جمع النبي ﷺ بين التزام الظاهر، والنهي عن نقب خبيئة القلب، حالةَ الحكم دينًا وقضاءً،، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا علَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وكانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وكانَ يُضْحِكُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانَ النبيُّ ﷺ قدْ جَلَدَهُ في الشَّرَابِ، فَأُتِيَ به يَوْمًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العنْه، ما أكْثَرَ ما يُؤْتَى بهِ؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ: لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إنَّه يُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ. رواه البخاري.
الحكم على الأعماق تَطلُّع إلى الغيب، {....وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ....}آل عمران/180.
تَمَحُّلُ التنقيب، والتماس التفسير المُسْتَرْخَصِ لمجرد موقف، أوسلوك فرعي مخالف، أومسألة باستدلال لم يُبْحَثْ، والتبديع، أوالتفسيق، أوالوصف العقدي لنصح حاكم، سَطْوٌ على مراد الشريعة تبرئةَ النظرات المتبادَلة للظواهر.
نعتُ النوايا بدون أمارات حقيقية، جريرة مُنَفِرَة، لأن لاستظهار عقائدها شروطًا وقواعدَ لا حساسيات فردية وجماعية وفئوية ومذهبية.
نبش السرائر تدنيس لمصداقيتها، وشرعنة ذاتية للنَّبَّاش، للانفراد بالصواب، ولو اكتفى بطرحه، وترك غيرَه للميزان، لسَابَقَ في الأخلاق، وارتفع قدره الجمعي.
تلويث المستورات قربات لسادة وأمراء وسلاطين، وابتغاءُ حظواتهم وتشويه للغير.
الحفريات على الدخائل ظاهرة تدينية معتلة، فاتِهام مُسَبَّلي قافلة الصمود بالمظهرية وابتغاء السياسة والتخابر، وشهداء الطوفان بالخورجة، عِلَّة نفسية، وحسد عُضَال.
ليُّ نِيَّات مقاومي الاحتلال بما يخالف تضحياتهم تدين مغشوش لا منصوح.
النقر عليها لاستظهارها تعفين سلامة الصدور.
الإدمان على تحسس الطوايا صراع دراميٌّ بين القلوب الإيمانية كسرائر خاصة بالله، ومحاولات تطرف يقتحمها ويدمرها بسوء الظن والوصم، وبعيون مُرَكِزَة على الشبهات، رؤيتها مضببة كعدسات مشققة غير صالحة للاعتماد، تصدر الأحكام بعمى البصيرة عن عيوب النفس.
اختلاج القلوب ضربات مخالب تنهشها، ومعاول تَهُدُّها، فَتُرديها منكسرة الخاطر، وكأنها فوق صراط تتخاطفها كلاليب الحاسدين.
حتى سياسيون يطعنون الطوايا في ساح المبارزات الشعبوية.
قد يتهيأ للجاهل كون أحدهم مغضوبًا عليه، فإذا له شفقات غائرة في صدره، أوخلوات مع ربه،،، روى ابن كثير في البداية والنهاية والله أعلم بصحتها، أن أبا نواس قال قبل احتضاره:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذنوبي كثرةً
فلقد علمتُ بأنَّ عفوَك أعظمُ.
أدعوك ربي كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا
فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي، فَمَنْ ذا يَرحَمُ.
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ
فَمَنِ الّذي يرجو المسيءُ المجرمُ.
مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا
وَجَمِيلُ عفوك، ثم أني مسلم.
بعض الموصوفين بالإلحاد أوالزندقة قد تَحِنُّ قلوبهم على أنفسهم من سوء العاقبة، نلمسه من زلات ألسنتهم بذكر الله في ثنايا أحاديثهم.
فالعبرة بالخواتيم لا برفع الدنيا أوخفضها الناس.
من رام تدينًا صحيحًا، فليعتنِ بنفسه، وليبكِ على خطيئته، ولِيَدَعْ غيره، لئلا يبني مجده المظهري بإسقاط كرامات الآخرين.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم