طوفان الأقصى وصناعة الرأي

صدق من قال إن الأحداث تسيل الحبر واللعاب، لأن انفجارها صدفة أوعمدا، يعد فرصة لفئات كثيرة، وإقحاما لأخرى، وتضحية بغيرهما، ومنها أصحابها.
منذ اندلاع طوفان الأقصى التأريخِ الجديد لانتفاضات شعبنا الفلسطيني، تقلبت مشاعري تجاه ما يحدث، كما يتقلب الماء المُغَلَّى داخل القدر، تفاؤلا أحيانا، وتحفظا أخرى، واسترجاعًا تارة، ووجدت تدخلات غيري في الحدث أجناسا، وأنواعا.
على رأسها الإعلام بأنواعه على اختلاف تأثيراتها، إذ تعتبر الأحداث المختلفة مواد الإخراج والبروز الإعلامي، خاصة ما تعلق بالشعوب، والضرب على أوتار العواطف للإمساك بها جذبا وتهييجا وتهدئة، والحرص على السبق الصحفي بالحصريات لنيل المصداقيات.
إذا كان الكيان المحتل يمارس الحرب لكسب معركة الوجود، فإن أغلب الجهات الإعلامية تسلك السبيل نفسه، لكن إن وقف العدو على سكة الوضوح العدائي، فإنها تقف على ضفة نشر غير قناعات الحكومات المحتضنة، لأنها موقنة بأن وفاقها خط تطبيع حكوماتها مع العدو سيرمي بسهامها الإعلامية في الحضيض الشعبي العالمي وستنزل أرقام متابعاتها.
لقد استطاع طوفان الأقصى إعادة توجيه غالبية الوسائل والمنصات الإعلامية العالمية بمئة وثمانين درجة، فحصرت برامجها وأخبارها المتنوعة إلى اليوم عليه، فصنع منها قالبا آرائيا جديدا، ولم تستطع النزع عنه إلى الأحوال الطبيعية الاعتيادية، مراعاة للمصداقية، ويمكن أن نرد ذلك إلى حركياته المتسارعة الحاضرة المحدثة.
فبالمعاناة، والتحركات القتالية والشعبية، والزخم الاجتماعي، والتوثيق التاريخي بالبيانات الميدانية، والنشريات الدورية، خاصة الخرجات والملخصات الحية لأبي عبيدة الناطق الرسمي لكتائب القسام الجناح العسكري لحماس، وأبي حمزة الناطق الرسمي لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد، أصبح مادة إعلامية تقود الوسائل الإعلامية، وتصنع منها الرأي المسوق للعالم، الواضح تعبيره عن تأثره بالمجريات عن طريق التجمعات والاعتصامات والمظاهرات ولو في بلاد بعيدة بما فيها شعب الكيان في المواطن المحتلة.
أرى أن هذا التمكن، بعد فضل الله تعالى، يعود كذلك إلى العلاقة الروحية والإنسانية للأرض المقدسة مع المسلمين بتاريخية المسجد الأقصى، والمسيحيين بكنائس القدس، وغيرهم بمركزية السلام العالمي هناك.
ومن أمارات صياغته الرأي العالمي التغييب الواضح لغالبية أخبار أوكرانيا على سبيل المثال من المفكرات الإعلامية الثقيلة، ولو مؤقتا.
إذا كان قصد الأنواع الإعلامية كسب المصداقية المتابعة ورفع أرقام قرائها أومستمعيها أومشاهديها، فإننا وجدنا طائفة علمية تشريعية أوكونية، مرادها افتكاك الثناء الحكومي، والنجاة بالنفس من العتاب أواللوم أوالاعتقال أوالاغتيال أوالنفي، إن خالفت الموقف السلطاني، ولو بغير قناعاتها وعاطفتها، فنسمع ونرى من يدوس على طبيعته العلمية والتشريعية والتاريخية، ولا يكتفي بتحليلٍ مجردٍ محايدٍ لأحداث طوفان الأقصى، بل ينهال على وسم المقاومة ورجالها بأبشع الصور وأنكى التهم.
وبعد ذلك ضحايا كل هذه الفئات ومنها المصادر الإعلامية بكل احتمالاتها، بوضع أنفسهم أبواقا، استطاعت بعض الأفعال والانفعالات استخدامهم لإيصال صوتها ومبرراتها، ولو بدون صدق إلى الملاحظين لكسب مزيد تأييد يغطي القعود أوالخيانة أوالخنوع أوالخداع، مثلما تنشر بعض الأبواق العامية لشطحات الشيعة بكل أذرعهم الذين يهمزون ويخزون ذيل العدو ولا يعقرون بطنه في صورة الأبطال الفاتحين لجبهات وهمية تفك بالخيال الحصار عن مجابهي العدو داخل غزة.
إن الأحداث هي التي تصنع الفكر ثم الرأي ثم الإعلام، وكل هذه المصنوعات تحسب نفسها متبوعة وهي في الواقع تابعة متأثرة، لكن كل ما تمارسه هو محاولة توجيهها بتأثيرات جديدة قد تنجح أحيانا في تغيير خطط وقرارات إلى وجهات أخرى، تخدم المؤثر.
والكياسة الحكيمة تقتضي الوقوف على مسافات متساوية بين الأحداث ومصنوعاتها لتقريب الفهم الغالب، ومحاولة التأثير الإيجابي العام دون الأهداف الذاتية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم