الحرية وتوظيفها الجزء الثاني


ذكرت في الجزء السابق مسألة حرية الاعتقاد كخطوة في طريق الكلام عن مختلف الحريات التي ينادي بها الناس دون فقه معانيها.
وفي هذا الجزء كلام عن الامتثال أمرا ونهيا، للمسلم وغيره.
1/ إن الإنسان إذا أسلم واعتقد بعد إعمال العقل، أوورث الإسلام عن الواقع الاجتماعي، ألزم بالنصوص الآمرة الناهية بالصحة نقلا، والقطع أوالظن دلالة كالقرآن والحديث والمصادر الأخرى، عقلت معانيها أم لا، فليست كل أحكام الإسلام معللة، اختبارا للعلاقة مع الله، ومنها التي تعلم حكمتها بعد أزمنة متتالية، لكن المسلم موثق بقوله تعالى (وقالوا سمعنا وأطعنا) سورة البقرة، لأن عادة البحث عنها كشرط الامتثال قد تعلم التمرد على التشريع، كل ذلك لأن المسلم انضمَّ إلى الأحكام اقتناعا بالأصل وهو العقيدة.
2/ غير المسلم الذي يعيش في بلد النظام الإسلامي ملزم بأمرين:
أ ) احترام شعائر المسلمين خاصة الروحية التي لا تلزمه بسبب انعدام شرط الإسلام، كالصلاة والصيام والحج وغيرها.
ب ) الالتزام بما يشمله من القوانين المنظمة للمجتمع، لأن المسلم كذلك لو عاش في بلد غير مسلم بالأغلبية يلزم شرعا بقوانينه المنظمة لمجتمعه.
ولذلك لا يمكن في بلد الإسلام المطالبة بانتهاك الحرمات وفصل الأمةعن دينها وعزله عن الحياة العامة، والمجاهرة بالإفطار في نهار رمضان وغيرها من الحريات التي لا تراعي حدود مشاعر أهل البلد، لأنه بكل بساطة يعيش بين أغلبية مسلمة، يراعي مشاعرها وتراعي موقفه في نفسه.
وللأسف كم رأينا قوما يتظاهرون مطالبة بالحريات، لكنهم أول من يخرق نواميسها في الحالات المخالفة، ولا يراعون غيرهم، وإذا انتقدوا أوحدث سلوك مناقض لموروثاتهم ثاروا متناسين أنهم يقدسون الحرية على حد زعمهم.
أما تألي بعض القاصرين في العلم الشرعي بحجة الحرية، فناتج عن قصور فهم هذه المعاني كالنكرة الذي ادعى عدم وجوب الصيام في نهار رمضان ملويا أعناق النصوص التي تؤجل للمسلم صيام كل أوبعض رمضان لخلل في شروط الصوم مثل المرض والسفر، بل يرمي الصحابة بتهمة اختيار الإفطار في رمضان، جهلا بمقاصد الأدلة ومفاهيمها، إذ ما ذكره يدل على الذين يصومونه تطييقا لأنفسهم أي إتعابا لها وإنهاكها بما فوق الطاقة، لا اختيارا منهم في الحالة العادية، قال تعالى (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 184) سورة البقرة، ومع ذلك تجب عليهم الفدية، أما من اختار من الصحابة الإفطار، فحدث ذلك في الجهاد والسفر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ، ومنا المفطر قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا: صاحب الكساء. ومنا من يتقي الشمس بيده. قال : فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر). رواه مسلم.
إن التكسي بحرية دون قيد ولا شرط يعتبر متمردا على الأنظمة، ومحلا للفوضى والهرج والمرج والفتن وإزهاق الأموال والأرواح والأعراض.
وجزء من التمييز العنصري الذي اتفقت كل نصوص قوانين العالم على حربه.
ومحيل المجتمع إلى الحيوانية الهمجية وتنزع عنه الصفة الإنسانية اللبقة الرقيقة الرحيمة.
واستهتار بالقانون الشرعي، وتشجيع على الصائل الذي يجب دفعه من قبل الحاكم شرعا.
وفوضى يختل بها نظام الناس وتتعرض حياتهم للانقراض والفناء، كما جاء في صميم مقاصد التشريع الحنيف.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم