الحرية وتوظيفها.

ذكرت في الجزء السابق مسألة حرية الاعتقاد كخطوة في طريق الكلام عن مختلف الحريات التي ينادي بها الناس دون فقه معانيها، أوفهم مع عمد صرفها عن مدلولاتها، فانهال إخوة تعقيبا عليها بالإنكار، ظنا من بعضهم أنني أتحدث عن المسلم، لكن المقصود من لم يكن مسلما قبلُ.
فقد ضمن له الإسلام حرية إعمال عقله للتوصل إلى حقيقة وجود الله ربا، وعبادته إلها، لأن الإجبار على الاعتقاد لا يربي منه مسلما صادقا، بل منافقا متظاهرا فقط، ولأن الإسلام يقدس العقل فلا يتجاوزه.
ولذلك دعا القرآن الكريم إلى إعماله بالنظر إلى ملكوت السماوات والأرض، وما على المسلم إلا البلاغ المبين فقط، فإذا عجز عن المزيد تركه وشأن عقله، والمحاسب هو الله فقط.
ثم إن ذلك كله تحت طائل احترام دين الدولة المنصوص عليه في وثائقها ومنها الدستور.
أما مدنية الدولة في الإسلام: فليست تفريطا منا في الحكم والتشريع الإسلامي بين الخلق في ديار الإسلام، لأن النظام الإسلامي لا يبنى على دينية السلطة إنما على المدنية المنتخبة شعبيا أومؤسساتيا، بمختلف المصطلحات من البيعة والانتخاب والشورى وغيرها، والحديث عنه مجال آخر، وليست كسلطة كهنوت الكنيسة النصرانية في القرون الوسطى التي كانت تحكم باسم الدين ولو في الاجتهاد البشري، وهو ما اصطلح عليه بالدولة التيوقراطية، فكل قرارات البابا صادرة عن الرب عندهم، لا مناص من الإذعان لها ولو بالخطأ، باعتباره وحيا إليه، حفاظا على امتيازات اجتماعية ومالية يأبى رجل الدين التنازل عنها، مثل سلطة الملالي في مواقع الشيعة تماما، وهذا ما يوجد حتى في هذا العصر خفية، والدليل تصريحات بعض زعماء الغرب بفلتات الألسن، مثلما حدث لجورج بوش إبان احتلال العراق.
أما الأحكام التشريعية في الدولة المدنية الإسلامية: فصادرة باستنباطات العلماء وأهل القانون من مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها، وغير المتفق عليها التي يغلب عليها الطابع الاجتهادي، وخاصة ما تعلق بالموازنة بين المنافع والمفاسد في أي مشروع، في إطار تحقيق مناطات المقاصد.
ولذلك فإن العالم أوالقانوني في النظام الإسلامي يدعي الحكم ظنا لا يقينا، لأن عمله مجرد اجتهاد بشري يعتريه الصواب والخطأ، بفهم النصوص، أوخارجها، إلا إذا حدث إجماع رافع الظن إلى اليقين.
وإن اعتمد القانون في دولة الإسلام على مصادره، إلا أن المادة القانونية لا تحمل عبارات قال الله، قال الرسول، لأنها أحكام مستنبطة من النصوص وليست نصوصا،، ولا تحمل صيغة الواجب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، سواء كانت في المعلومات من الدين بالضرورة مثل القطعيات التي أجمعت الأمة عليها، أوالظنيات الراجحة المجمع عليها،، وهو ما انحرف بفهم البعض عن الجادة.
أما مسألة استعمال الدين:
فصحيح،، هناك من يستعمل الدين بسبب القداسة لإضفائها على سلوكاته وأقواله وأحكامه وزعامته،، لكن لسنا هنا لاستعماله بل لبيان نصاعته كي لا يخوض فيه من لهم غرض صرف أنظار الناس عن مجريات الأحوال في البلاد.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم