النوم في الشرع بين العذر والعذل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
كنت في حصة مادة العلوم الإسلامية أدرس موضوع الحكم التكليفي وشروط التكليف الذي تطرق فيه التلاميذ أثناء مناقشاتهم إلى النوم كواحد من عوارض التكليف باعتباره عذرا يجنب المكلف العتاب ، فبينت لهم التحفظ منه ببيان الفرق بين نوم العذر ونوم اللوم ، وبيان المقصود من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآتي:
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ " رواه النسائي وغيره بألفاظ مختلفة.
كثيرا ما يدرج هذا الحديث في تدريس نواقض الأهلية والتكليف ، لكن كثيرا من المدرسين لها من هذا المنحى لا يتعرضون للفرق بين حالات النوم وأن منها ما لا يعذر صاحبه ، فإن كان الصبي الذي لم يعقل تماما ، أو عقل عقلا ناقصا أوعقل لكنه لم يميز معذورا في تصرفاته ومع ذلك يخول وليه الشرعي ببعض الواجبات نيابة عنه مثل الزكاة من ماله وتربيته كي لا يؤذي الآخرين ، وإذا كان المجنون أشد مرارة منه ، فإن النائم له حالتان : حالة الفعل ، وحالة الترك ، أثناء النوم ، فقد يضرب نائما آخر بجواره ، وقد يقول كلاما بذيئا خلاله نتيجة حديث نفس بالنهار تحول إلى رؤيا بالليل ، فهذا لاجرم أنه معذور لأنه فاقد وعيه وفعله ولم يختره فلا عتاب له ولا لوم عليه ولو اعتبر في اليقظة عصيانا لله أوالناس.
أما حالة الترك فكمن شمله خطاب النهوض لصلاة الصبح لكنه لم يستيقظ  مبررا تركه به ، أوكالذي ينام القيلولة ثم تفوته  صلاة العصر معتذرا به ، فإنه ممن لا يعذرون لأن الله تعالى فرض أوقات الصلوات عالما قدرة البشر عليها ، إذ لا تكليف بغير المقدور ، فيفرض عليه أن يوصي غيره بإيقاظه ، أويصاحب نومه اهتمامه بها فينهض بسببه ، مثل المهتم بسفر فلا يفوت عنه نومه  موعده ، أولامناص له من تهيئة المنبهات وكثيرة هي في عصرنا كي لا يسبقه موعد الصلاة.
إن كثيرا من الناس والمثقفين منهم يبررون تأخير الصلاة بالنوم على أنه عذر مبيح له مجنب العتاب واللوم والذنب.
إن تأخير الصلاة عن وقتها اعتذارا به تطاول على الله تعالى في جعله الصلوات بهذه الأوقات ، وهذا مما يستحي منه العاقل ولو كان لسان الحال لا لسان المقال ، أما منعدم العلاقة به سبحانه فيكثر من التبريرات وهو أسهل عليه من الحياء منه تعالى.
لذلك أرى أنه ينبغي انتباه مدرسينا وأساتذتنا إلى ضرورة الدلالة على هذا الفرق بين النوم الجالب للعذر والنوم الجالب للوم ، لئلا تختلط العلوم على طلبتنا الكرام ، حتى لا نتناول النصوص بظاهرها وحرفيتها ونحيد بها عن مقاصدها الحسنة ، والله ورسوله أعلم وأحكم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم