لقد كان عنوان درس اليوم لتلاميذي هو "الحكم التكليفي " تعرضنا فيه بعد المقدمات والشروح إلى مسألة عوارض وشروط التكليف ، ومن بين العوارض التي أشار إليها التلاميذ لتسجيلها على السبورة "الغفلة" ، فتوقفت ثم وعدت بكتابة ذلك في مقال أوضح فيه حقيقتها ، خاصة وأننا فرقنا بين العوارض الطبيعية والمكتسبة.
لأن كثيرا من الدارسين بشكل سطحي يتعرضون للغفلة على أنها مقبولة محمودة من المعاذير ، لكن الواقع يؤكد وجود نوعين منها ، الطبيعية والتي يمكن إلحاقها بالنسيان المعذور صاحبه كنسيان وقت الصلاة الذي ورد فيه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: {أَقِمِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِي} [طه: 14] رواه مسلم وأبوداود والنسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر الغفلة الطبيعية نسيانا يعذر صاحبه إذا ذكر الصلاة فأداها مباشرة.
وهذه هي الغفلة الطبيعية التي لا يعاقب المبتلى بها إذا وقعت فجأة دون تعمد.
أما الغفلة المكتسبة غير الطبيعية فذمها الله تعالى لأنها على الأقل صد النفس عن سبيل الله ونكوص عن الذكر والقرآن والصلاة وبعد عن الله تعالى بالتمسك بالدنيا وملذاتها الشاغلة عن الفطنة والعلاقة القوية مع الله.
قال تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الأعراف
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) النحل.
فهذه الغفلة المتعمدة أوالناتجة بسبب حصر النفس في الدنيا إلى درجة البعد عن الله ، غفلة كهذه ذمها الله تعالى وأنكر على مرتديها والمصطبغين بها.
لذلك لابد على طلبة العلم والمذكرين لهم وللعوام من التفريق والتمييز بين الغفلة الطبيعية المعذور صاحبها والغفلة المكتسبة إما عمدا وإما بسبب الدنيا والمذموم صاحبها ، لئلا نخلط بينهما في تبعاتها الشرعية وتطبيقاتها الميدانية.
لأن كثيرا من الناس والعوام بالأخص قد يتعمدون التغاضي عن الالتزام بالحق وبالفرائض والواجبات ثم يتحججون بالغفلة لتأكيد العذر ومن ثم البراءة من الإثم والعقاب أو على الأقل اللوم والعتاب.
إن حسن العلاقة بالله تعالى يقتضي فطنة وكياسة مع كل ما يقرب إليه ، أما التغافل فرارا من ثقل الطاعات على النفس الأمارة بالسوء فليس عذرا يجنب المكلف العتاب .والله ورسوله أعلم وأحكم.
Tags:
شرعيات