صرَّح عضوُ
هيئة الاستفتاء الدستوري التونسي يوم الثلاثاء 26 جويلية 2022م الموافق لـ 27 ذي
الحجة 1443هـ، بقوله: (حان وقت القضاء على الإسلام السياسي)، بلسان حال مشير إلى رفض
مشاركة الإسلاميين في السلطة، بعد فشل ورقة الإرهاب.
والعالم يعلم تكامل نظام الإسلام، عكس جاهلي حقيقته الذين يريدون تدينا شخصيا بالذكر
والصلاة والتسابيح، بعيدا عن الحياة كما قضاه ربه.
في هذا العباب نشهد انحطاطَ مستوى جلِّ مسؤولي دول يفترض فيهم الوعي والاهتمام
بالشعوب والتفكير في واقعها ومستقبلها عوض دهاء التسمية المغشوشة (الإسلام السياسي)،
يحركهم الابتزاز الاستعماري كدمى التمثيل خلف الستار.
يفترض أن يطهر النظام التونسي البلاد من تركة عهد الاستبداد الماضي، وترسبات حكم
بورقيبة وبن علي، لا تكسير وتيرة التدرج نحو الهدوء والتعايش الوطني، بتعديل
دستوري يغطي إفشال بقايا ما سمي الربيع العربي، بخزعبلة (الإسلام السياسي)،
والبلاد تئن تحت وطآت تعيق نموها، وتقهقرٍ فكري وثقافي وعلمي وتسييري مثل كثير من الأنظمة
الوظيفية.
الدستور في أي بلد هو عصارة القواعد القانونية من مصادر الأمة، لبسط عيش مريح وعدل
ومساواة وحرية وإنتاج وابتكار وأدب وتشاور، ليصبح فلسفة حياتها، يراعي بين دفتيه
حراسة المنفعة العامة فقط.
لكن أن يُهْرَعَ إلى تعديله وفقا لرومانسية أحادية وقبضة حديدية للانفراد
بالتعيينات والإقالات ومجمل الصلاحيات، فإنه لعمري تخلف وخلل في مستوى الفكر
والأخلاق، ورضوخ لقوى الاستعمار، وضيق معنوي نفسي في صدور المسارعين إلى دنيا
فانية يصيبونها.
إن بعض الشعوب تذبح نفسها بسكينِ الاستبداد، فتقتل حاضرها ومستقبلها بالموافقة على
دساتير تعدها الجنة، لكنها تكرِّسُ الطغيان والصلاحيات الخاصة في مملكة مضمرة، ولو
قهرت كرامتَها، وكبلت حريتها، وأغلقت فضاءاتها، وهمشت طاقاتها، وأغمَّتْ مستقبلها.
إن الإسلام لو حكم فعلاً لكان نعمة على الناس كلهم، لكنه لم يحكم، ولم يُمْنَحْ
فرصة التدبير، لسطوة ذوي النزوات المالية والمصلحية والجنسية، لأنه سيمنع الظلم
والبطش، ويحجز عن غرائز سيئة، ومجون مالي بالربويات والرشوات، واعتداء على
العقارات، وعهر جنسي في محافل لا ترعى ذِمَّةً لله.
أولئك مصابون بعقد يحسبون بها إحسانَ الصنع، يستجدون الغرب الرضى عنهم، ويبتهلونه قبول
سلوكاتهم تجاه أوطانهم، لكن قاداته يكرهون نسبهم، ويتشدقون عليهم ضحكا حتى النواجذ
في السراديب، بعنصرية مقيتة.
ازددتُ ازدراءً للسلط العربية الوظيفية وأنا أشاهد صور ثلاثة رؤساء سابقين
للولايات المتحدة الأمريكية أثناء العودة من جنازة الرئيس أنور السادات، يوم 10
أكتوبر 1981م، منهم كارتر، يتصافحون متمالئين بالضحك لنجاحهم في إحكام مصير مصر
بعده، في الوقت الذي كان خليفته منتشيا
غافلا عن استخدام أميريكا له.
هؤلاء الفقراء عقديا وفكريا سلموا رقابهم للغرب ليخنقها بقلاداته، وأيديهم
ليكبلها، وماضيهم ليمسخه، وحاضرهم ليقعدهم عن خدمته، ومستقبلهم ليضببه عن آفاقهم.
الإسلاموفوبيا ورم خبيث يصيب أدمغة
بعض نخب التلاعب الثقافي، فيعظم فيها بالغرور الواهم، وداء يعضل العقل عن التفكر
ثم التدبر، والنفس عن التواصل البشري والتفاعل الروحي، والضمائر عن الاطلاع، ويحجر
عنها الإنصاف، فيفقدها التوازن، فيقضي عليها داخل أقبية البهيمية.
إنه ميراث أجدادٍ أرعبهم النفير في الحر.
الإسلاموفوبيون لا يتوانون في التوقيع على كل مضادٍّ للإسلام ولو ضيق على حرياتهم
وأطلق أهواءهم بغير قيود اجتماعية وقانونية.
إن الأمة جماعات ووحدانا في حاجة إلى هيكلة العقول، وتحديث التفكير، ورسكلة الوعي،
وتجديد النظر إلى حواليها، لتضبط سيرها، وتفتكَّ حريتها من وصايات الاستعمار عليها،
وتطرح التخشع لعدوِّها، وتستهجن خرافة الإسلاموفوبيا.
Tags:
إسلاميات
