الدستور الذي أراه

الجزء الثاني: طبيعة تحريره 
نظرتي تمثل رأيا يعتريه الصواب والخطأ، ولا أعدم رأيا آخر من الاعتراض، ولا قولا من الإثراء.
يعرف عن الدستور أنه الوثيقة المنظمة للعلاقات بين السلطة والشعب وغيرهما من الدول والحكومات والأمم، والسلطات فيما بينها.أوهي الوثيقة الدسمة التي تَحْكُمُ ولا تُحْكَمُ، تقود ولا تقاد، تعلو ولا يعلا عليها.

ولذلك لي رؤية غير التي حررت بها الدساتير في بلادي والعالم، ارتسمت لي من التعديلات الكثيرة التي لم تفرز لنا استقرارا قانونيا، والدليل أنها عاجزة عن التحكم ومواكبة بضع سنوات وأجيال منذ الاستفتاء عليها شعبيا أوإقرارها برلمانيا، بسبب الاعتماد والاقتصار على الأحكام الجزئية التي لا تطيق السيطرة على الأحوال المتغيرة في الزمان والمكان والناس.
الدستور الذي أراه وأريده هو المصاغ على شكل قواعد تعرف بأنها:
(كليات في نصوص موجزة تتضمن أحكامًا عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها).
أو(الأحكام الكلية التي تعرف بها أحكام الحوادث التي لانص عليها).
أو(حكم في قـضية أغلبية يتعرف منها ما دخل تحتها من قضايا جزئية)
أو(حُكمٌ أغلبي، يؤخذ منه أحكام جزئيات كثيرة).
فالقواعد هي (كليات منطقية عامة تدخل تحتها أحكام تفصيلية جزئية).
هي تلك الأحكام العامة التي تحمل أوصافا يمكن قياس كل ما تطابق معها في العلة التي تعرف بأنها (الوصف الظاهر المنضبط المناسب)، وأول من اكتشف العمل بالقواعد العامة هو علماء أصول الفقه الإسلامي، استلهاما من القرآن الكريم الذي ترك لنا قواعد عامة نقيس عليها كل ما ساواها في العلة إن لم يوجد النص.
فنجد على سبيل المثال لا الحصر ذكر القرآن كلمة الخمر، ولم يذكر عصير العنب والتمر الغالب زمن نزوله، كي لا يبقى الحكم مقتصرا عليهما فقط، بل على كل ما يحمل الصفة وهي التخمير أي تغطية العقل وإذهابه.
ومنه مسألة التيسير الذي تجلبه المشقة غير العادية، فاستنبطت منه قاعدة (المشقة تجلب التيسير).
ومنه قواعد (الترجيح بين المنافع والمفاسد في غياب النص)،، و(لا ضرر ولا ضرار)،، و(العادة محكمة)،، و(الأمور بمقاصدها)، وغيرها مما يلجأ إليه بقياس جزئياته عليها دون التعديل المتكرر.
لذلك أريد أن يصاغ دستور بلادي على هذا الشكل حتى ولو لم تذكر هذه القواعد الممثلة تماما،، لأنني ذكرتها على سبيل التمثيل فقط.
إن ما لا حظته مرارا على دساتيرنا هو حملها لأحكام تفصيلية جزئية تفتقد إلى شيء كلي عام منطقي نلجأ إليه حال الإشكال مع تطورات الأحداث والظروف والأشخاص والزمان، وهو صميم قول علماء الأصول (الفتوى تتغير بالزمان والشخص والظرف)، أي ما كان خارجا عن النصوص، لأن النصوص والقوانين محدودة متناهية، وأحوال وحوادث الناس غير محدودة ولا متناهية.
فعوض اللجوء كل مرة إلى تعديل الأحكام التفصيلية الجزئية بخرق الدستور،، يكفينا القياس على القواعد، وإدخال الأحكام الجزئية الجديدة بين طياتها بشروط،، منها وضوح العلل.
إلا أن هذا العلاج يكون على مستوى هيئة التشريع ومنها البرلمان، الذي يفترض أن تكون العضوية فيه لكفاءات قانونية لا مقاولاتية ولا تجارية، تعرف كيف تدخل الجزئيات والإشكالات الجديدة ضمن القواعد الدستورية بالمداولات مراعية شروط التشريع والتعليل.
بهذه العملية سيبقى الدستور في منأى عن التلاعب، أوإرادة التعديل، وتبقى له تلك القيمة المهيبة.
من يقرأ على سبيل المثال وثيقة المدينة المنورة التي أملاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وإنشاء المجتمع الجديد فسيجدها مركزة بشكل كبير على مسألة المواطنة،، وقواعد فقط، تحمل في بطونها الأحكام التفصيلية الجزئية الكثيرة بنصوص القرآن والسنة، أوالقياس بعد زمن النبوة.
إنني كمواطن أريد لوطني الاستقرار القانوني والدستوري قبل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وغيرهما، لأنه الضامن لما بعده، ولننظر إلى دساتير الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وبريطانيا وغيرها، رغم تعديلات قليلة.
ولا غرو أن نختلف عن دول العالم في الصياغة، ولا جرم أن نسبقهم فيما نمتن به حصوننا،، لأنني لست من المنبهرين بالمدنية والمنظومة القانونية الغربية، ليقال لي إنك تسبح في عالم خيالي وافتراضي،، ولأنني ممن يعشقون الاستقلالية والتحرر عن الغير، ولو بالرجوع إلى أصولنا العقدية.
وإنني على استعداد لملاقاة هيئة لجنة الخبراء المكلفة بصياغة مسودة الدستور الجديد لشرح عميق أمام أعضائها المحترمين.
هذه نظرتي إلى الدستور، ومع ذلك لن أتعصب لرأيي، ولن أمنح لنفسي العصمة من قصور النظر، والواقع المتطور كفيل بالحكم.
فرأيي صواب أطرحه مع احتمال خطئه، ورأي غيري خطأ لا أتبناه مع احتمال صوابه.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم