التدبير الفريد في الرأي السديد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 
إليكم هذه القصة الفريدة الكاشفة عن طائفة من الرجال وتدبير فريق من النساء ، فلكم القراءة ومنكم العبرة.
كان ملك السحاب أصغر إخوانه ولكنه شيخ قبيلته فقد ورث ذلك من أبيه الذي أوصى بأن يكون هو الشيخ من بعده وتم اختياره بالإجماع من إخوانه وعشيرته وبني قومه، شاب وسيم خلوق حكيم هادئ، ذو نظرة تشع ذكاء ومعرفه، ذوهيبة إذا تحدث أنصت الجميع، ولا يقال في وجوده الا ما يحمل الخير والحكمه والعلم والمعرفة، دقيق في ملاحظاته، تسبق فطنته حسن ظنه.
وكعادة العرب فإن معرفتهم بالسحب الممطرة كانت علما وتخصصا يتقنونه، وكان يطلق على هذا السيد الصغير الكبير(ملك السحاب) لمكانته بين أهله وعشيرته، فأين تمطر يستفيد صاحبها من ريعها حسب ما وزعه رئيس القبيله أوشيخها. أومحبوبها.
سأل صديقه المقرب منه يوما: هل تظن أن هناك من العرب من أتقدم لخطبة ابنته فيصدني (يرفضني) ولا يزوجنى؟..
أجاب الصديق نعم: فلان من القريه التي تبعد عنا، قال صاحبنا إذا هيا بنا الى هناك...اصطحب معاونيه وأتباعه الى تلك القريه ووقف أمام البيت المقصود...بينما كان صاحب الدار بالفناء نظر إليه وسأله: من أنت؟..فعرفه بنفسه وأنه فلان من سادة قومه شيخ قبيلته....وماذا تريد؟..قال: جئتك خاطبا ابنتك فرد عليه قائلا له: ليس عندى مطلبك ..أدار صاحبنا فرسه أخذ من معه عائدين وقد تأكد بأن صاحبه المستشار كان محقا ولم يتفوه بكلمة واحده طوال الطريق ...وأخذ ينهب الطريق عائدا الى قريته ..مع شعور لم يعرفه من قبل - من خيبة الأمل...أما صاحب الدار فقد دخل بيته فبادرته زوجته بسؤاله عن من أتى إليهم وانصرف بسرعه قبل أن يضيفوه..فأعلمها بأنه فلان .... قالت:سيد العرب؟..الذي يسمى (ملك السحاب)..قال نعم ..قالت : ولماذا لم تضيفه واستقبلته بما لا يليق ؟.. قال: لقد (استحمق) وتقدم لخطبة ابنتي..وقالت: وأنت لاتريد أن تزوج بناتك؟ .. فلمن ستزوجهن اذا لم تقبل السادة والشيوخ؟ ألحق به.....واعتذر له .. وأخبره أنه قد أتى لك في لحظه لم تكن موافقه وأعطه وعدا بتلبية طلبه ... حاوَلَ اللحاق به.. قال له مستشاره: إن صاحب الدار خلفنا يلاحقنا يركض محاولا الوصول إلينا ..قال مالنا وماله .. أدركهم صاحب الدار وطلب منهم أن يمنحوه ساعة ليقضي حاجتهم التي أتو إليها ..استقبلهم بترحاب كبير وضيفة عربية تليق بالضيف والمضيف ثم دلف إلى بيته..استدعى ابنته الكبرى قائلا لها: إن فلانا في الخارج وإنه قد أتى لخطبتها...قالت: يا أبت لا تفعل إن في وجهى ردة...وفي طبعي حدة...وأخشى أن يردنى فأصبح عبئا ووبالا عليك....قال: اذهبي رعاك الله...........
وأتى بالثانيه..فسألها فقالت يا أبت لا تفعل ..إنني نوامة..لوامة...خرقاء لا تسمع نصيحة..وأخشى أن يردني وليس عندي ابن عم يسندني فأصبح عبئا ووبالا عليك..قال : اذهبي رعاك الله...........
وأتى بالثالثه...فسألها فقالت افعل يا أبي، قال: عجبا...........أختاك عزفتا عن القبول، فقالت إنني جميلة الخَلْق حسنة الخُلُق..في قولي حكمة..وفي قلبي إيمان..وفي عقلي اتزان ..مدبرة .. مخلصة .. اذا أحبت افتدت..وإذا لم تحب أكرمت..فإذا ردني لابارك الله فيه..
عقد صاحبنا قرانه وأراد الدخول بها قالت: أبين أهلي وإخوتى؟ والذي نفسي ونفسك بيده لا يكون...فسار بأهله من ليلتهم فقال له مستشاره وصديقه هلا أقمت لنفسك مكانا ودخلت بأهلك فالطريق طويل....فقام بذلك..وعندما أتى سكنها قالت له: ماذا تفعل؟ أتعاملني كما يعامل السبايا؟ والذي نفسي ونفسك بيده لا تصل إلي إلا بعد أن تقيم عرسا يليق بمنزلتك عند أهلك ويرفع منزلتي عندهم..قال: لك هذا وصل الى قريته..وأقام ليلته ونحرت الجمال وفرحت القرية كلها صغيرها وكبيرها...وعندما أتى سكنه قالت: له ويحك .. العرب يقتتلون ويذبح بعضهم الآخر وترمل النساء وتسلب الدور وأنت تفرح بزفافك، والذي نفسي ونفسك بيده لا تصل إلي الابعد أن تصلح بينهم وتنهي حربهم قال: لقد أصبت ...سأفعل بإذن الله ففعل ذلك وأصلح بينهم وأنهى الحرب.
فسألها: يقال إن قوة المرأة في دموعها، فأجابت: إن بعض النساء أكمل من بعض الرجال وأسد رأيا وأعمق فكرا وأشد عزما وأكثر تدبيرا ومنهن من كانت منها فكرة أحيت بها أمة (أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها) وبعض الرجال لا يستقيم أمرهم إلا بهن فلا ينزل أوينتكس ولا يهزم وهي رفيقة دربه وإني يا سيد قومه سأظل وراءك حتى تكون منتصرا دائما ولا أقبل لك إلا عزا يتلوه عز ونصرا يتبعه نصر فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..وقدمت له طيبا ليتطيب وتعطرت ولبست أجمل الحلل نظر اليها باعجاب وتأمل وسألها لماذا الطيب لي؟ قالت (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) قال: ماشاء الله ..قالت على استحياء وبصوت مسموع يقول الله تعالى (المال والبنو ن زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) قالت ياسيدي: لايكون للمرأة عز الا من زوجها ولا تكون رجولة الرجل إلا في حنانه لأهله...................
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم